ابن الأثير

227

أسد الغابة ( دار الفكر )

الأزرق ، عن سلمة بن نبيط ، عن نعيم بن أبي هند ، عن نبيط - يعنى ابن شريط - عن سالم ابن عبيد - وكان من أصحاب الصّفّة - : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لما اشتدّ مرضه أغمي عليه ، فلما أفاق قال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا أبا بكر فليصلّ بالناس - قال : ثم أغمي عليه ، فقالت عائشة : إن أبى رجل أسيف [ ( 1 ) ] ، فلو أمرت غيره ؟ فقال : أقيمت الصلاة ؟ فقالت عائشة : يا رسول اللَّه ، إن أبى رجل أسيف ، فلو أمرت غيره ؟ قال : إنكن صواحبات يوسف ، مروا بلالا فليؤذّن ، ومروا أبا بكر فليصلّ بالناس . ثم أفاق فقال : أقيمت الصلاة ؟ قالوا : نعم . قال : أدعو إلى إنسانا أعتمد عليه . فجاءت بريرة وإنسان آخر ، فانطلقوا يمشون به ، وإن رجليه تخطّان في الأرض قال : فأجلسوه إلى جنب أبى بكر ، فذهب أبو بكر يتأخر ، فحبسه حتى فرغ الناس ، فلما توفى قال - وكانوا قوما أميين لم يكن فيهم نبي قبله - قال عمر : « لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا » ! قال فقالوا له : اذهب إلى صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فادعه ، يعنى أبا بكر . قال : فذهبت فوجدته في المسجد ، قال : فأجهشت أبكى ، قال : لعل نبي اللَّه توفى ؟ قلت : إن عمر قال : « لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا » ! قال : فأخذ بساعدي ثم أقبل يمشى ، حتى دخل ، فأوسعوا له . فأكب على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى كاد وجهه يمسّ وجه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فنظر نفسه حتى استبان أنه توفى . فقال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ ( 2 ) ] قالوا : يا صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، توفى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : نعم . فعلموا أنه كما قال . قالوا : يا صاحب رسول اللَّه ، هل يصلّى على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قال : يجيء نفر منكم فيكبّرون فيدعون ويذهبون حتى يفرغ الناس . فعلموا أنه كما قال ، قالوا : يا صاحب رسول اللَّه ، هل يدفن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ؟ قال : نعم . قالوا : أين يدفن ؟ قال : حيث قبض اللَّه روحه ، فإنه لم يقبضه إلا في موضع طيّب . قال : فعرفوا أنه كما قال . ثم قال : عندكم صاحبكم . ثم خرج ، فاجتمع إليه المهاجرون - أو من اجتمع إليه منهم - فقال : انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار ، فإن لهم في هذا الحقّ نصيبا . قال : فذهبوا حتى أتوا الأنصار ، قال : فإنّهم ليتآمرون إذ قال رجل من الأنصار : « منا أمير ومنكم أمير » فقام عمر وأخذ بيد أبى بكر ، فقال : « سيفان في غمد إذن لا يصطحبان » ثم قال : من له هذه الثلاثة : إِذْ هُما فِي الْغارِ ،

--> [ ( 1 ) ] أسيف : سريع البكاء والحزن ، رقيق القلب . [ ( 2 ) ] سورة الزمر ، الآية 30 .